التأثيرات العرقية للذكاء الاصطناعي على جغرافيا الحدود: الولايات المتحدة أنموذجاً

السبت 07 ربيع الأول 1447ھ السبت 30 أغسطس 2025م
فيسبوك
إكس
واتساب
تيليجرام
لينكدإن
المصدر: Anduril Industries

1٬067 كلمة

9 دقائق

المحتوى

هناك اعترافٌ متزايد بالمخاطر التي تشكّلها تقنيات الذكاء الاصطناعي، تلك التي يمكنها “التمييز بين البيانات وتصنيفها” والتنبؤ بمخرجات بدرجة معينة من الاستقلالية، وخاصةً بالنسبة للأشخاص المهمشين بالفعل. ومع ذلك، لا يزال انتشار تقنية الذكاء الاصطناعي يتم دون رادع نسبياً، بما في ذلك في سياق إدارة الحدود والهجرة. ونفترض أن هذا يقوض حقوق المهاجرين، نظراً لتبعاتها في تعزيز التمييز العنصري، لا سيما على اللاجئين، وعديمي الجنسية، والمهاجرين، وما إلى ذلك. وفي هذه المقالة، سنحاول مناقشة كيف يؤثر استخدام الذكاء الاصطناعي على تفاقم التمييز العنصري، والانتهاكات بحق المهاجرين، ونطرح أمثلة واقعية حيال ذلك.

۱. دراسة حالة: قوانين الهجرة وتنفيذها

يمكن القول إنّ العنصرية البنيوية تشكّل بنية تجارب الكثير من المهاجرين مع قوانين الهجرة في القارة الأميركية، لا سيما مع المهاجرين السود. ولو بحثنا عن كثب في السنوات الأخيرة، سنلاحظ أنه مع زيادة هجرتهم، لا سيما من دولة هاييتي الواقعة في منطقة البحر الكاريبي، هناك دول في جنوب أميركا، سنّت سياسات وقوانين تعيق تنقّل المهاجرين، وقدرتهم على الوصول إلى الولايات المتحدة، وطلب اللجوء فيها. وقد تبنّت واشنطن سياسات خارجية مختلفة على الحدود تمنع المهاجرين من عبور حدودها مع المكسيك، مثل سياسة “البقاء في المكسيك” وقانون الطوارئ الصحية، أو ما بات يعرف بـ “البند 42″ الذي استندت إليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى في إطار مساعيها لوقف تدفّق أمواج المهاجرين، بحجة منع انتشار وباء كورونا. وقتها، مكّن هذا القانون السلطات الأمريكية، من طرد المهاجرين وطالبي اللجوء. ولكن تبيّن أن ذلك ينتهك الحق الدولي في اللجوء، ومبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 في جنيف. وسنّت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن “حظرًا آخر للجوء” يقيّد الوصول إلى عملية اللجوء. وغالبًا ما يتأثّر المهاجرون السود بشكلٍ غير متناسب بهذه السياسات. فمثلاً، في أيار/ مايو 2022، كان الهايتيون 6% فقط من المهاجرين الذين عبروا الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، ولكنهم مثّلوا 60% من أولئك الذين تمّ ترحيلهم بموجب “البند 42”. لكن المفارقة، أن اللاجئين الأوكرانيين من ذوي البشرة البيضاء، تمّ استثناءهم من إجراءات هذا البند إلى حد كبير.

منذ بداية عام 2019، اتّخذت الحكومتان الأمريكية والمكسيكية خطواتٍ أدت بشكلٍ فعال إلى تنفيذ قوانين الهجرة الأمريكية في جنوب المكسيك. فقد توقف مسؤولو الهجرة المكسيكيون في ولاية “تشياباس” على الحدود مع غواتيمالا، عن إصدار “تصاريح الخروج” التي تسمح للمهاجرين بالعبور شمالًا ومغادرة المكسيك شمالاً إلى الولايات المتحدة. كما نشرت المكسيك قوات حرسها الوطني في الجنوب لتطبيق قوانين الهجرة، مما أدّى إلى زيادة القبض على المهاجرين واحتجازهم دون وثائق. ونتج عن ذلك، تقطّع السبل بآلاف المهاجرين، والهايتيين وغيرهم، بالقرب من الحدود مع غواتيمالا. وعملياً، يمكن معرفة المهاجرين من ذوي البشرة الداكنة، وتمييزهم بسهولة، من قبل الحرس الوطني وغيره من أجهزة إدارة الحدود. وبينما هم يعيشون تحت تلك الظروف القاسية، يواجه هؤلاء المهاجرون التمييز العنصري، والعنف، والانتهاكات على اختلافها. وهذا يشمل أعمال العنصرية والعداء العلنية، من قبَل مسؤولي الهجرة المكسيكيين، ناهيك عن التحديات التي تواجه نظام الهجرة هناك بسبب التحيّز، والعِرق، والاختلافات اللغوية، والحواجز في التوظيف، والإسكان، والتعليم، وما إلى ذلك.

وحتى عند وصولهم للولايات المتحدة، يعاني المهاجرون على اختلافهم خصوصاً السود من التمييز حتى داخل نظام الهجرة الأمريكي. فسياسات الهجرة لها جذور تاريخية في تفوق البيض والعنصرية ضد البشرة الداكنة، وهي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا. فمثلاً، يواجه المهاجرون السود معاملة متباينة في إجراءات الترحيل في محكمة الهجرة، بما في ذلك رفض التفسير المناسب، وعدم الوصول إلى محامٍ، وتَسرّع متعمّد في الإجراءات عمدًا، وصولاً إلى تحيز القاضي، مما يؤدي إلى رفضٍ غير مشروع للجوء. ومن خلال الاطلاع على أنظمة الهجرة الأمريكية والأنظمة القانونية الجنائية المناهضة للسود، نجد أنها متشابكة وفضفاضة للغاية. وغالبًا ما يتم تجريم المهاجرين السود وتصنيفهم عنصريًا ومراقبتهم واحتجازهم وترحيلهم بشكلٍ غير متناسب، حيث يعاني الكثير منهم من سوء المعاملة والإهمال أثناء وجودهم في مراكز احتجاز المهاجرين، وغالباً ما يتم حجزهم لفترات أطول.

۲. الذكاء الاصطناعي: تزايد التمييز والإساءة ضد المهاجرين

لقد اعتمدت الولايات المتحدة بشكلٍ متزايد على التكنولوجيا الرقمية لفرض سياساتها الخارجية على الحدود. وخصّصت واشنطن أموالاً كبيرة لتكنولوجيا أمن الحدود. ويشمل ذلك “الحدود الذكية”، والمراقبة عن بعد، والطائرات المسيّرة، وأجهزة استشعار الحركة، وغيرها من التقنيات الذكية. وعلى الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، توجد أبراج مراقبة ذكية تستخدم الكاميرات والرادار لاكتشاف الأشخاص المتنقّلين، وجمع البيانات عنهم لإنفاذ قوانين الهجرة. كما تستعين الولايات المتحدة أيضًا بمنظومات طائراتٍ صغيرة تعمل عن بعد، وهو شكلٌ من أشكال الطائرات بدون طيار، وذلك لتحديد المهاجرين ومراقبتهم، مما يسهّل إمساكهم على الحدود. لكن هنا، لا يمكن أن نغفل أن تقنيات مراقبة الحدود هذه، تنتهك حقوق خصوصية المتنقلين والمهاجرين، ويمكن أن تؤدي إلى رفع منسوب العنف والاعتقالات، حتى لو كان ذلك تحت عنوان منع المهاجرين من دخول الولايات المتحدة.

وعند الوصول إلى الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة، يُطلب من بعض المهاجرين استخدام تطبيق يُدعى “CBP One”، وهو تطبيق ذكي متنقل تعتمده إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية (CBP) ليكون بوابةً للخدمات لتقديم معلوماتهم الشخصية والبيومترية لتقديم طلب للحصول على اللجوء. وقد خضع هذا التطبيق للتدقيق، نظراً لأنه أقلّ قدرة على التعرّف على صور الأشخاص من ذوي البشرة السوداء والداكنة، مما يخلق حاجزًا أمامهم للمضي قدماً في طلبات اللجوء الخاصة بهم. وفي حين أنّ الخوارزميات التي يعتمد عليها تطبيق “CBP One” ليست متاحة للجمهور، فقد تم رفض تقنية التعرف على الوجه التي يرتكز عليها، باعتبارها تمييزية وعنصرية في سياقاتٍ أخرى. فعلى سبيل المثال، وُجِد أن هذه الخوارزميات كانت عرضة للتعرّف بشكلٍ غير دقيق على صورٍ لوجوه سوداء، أو صفراء من شرق آسيا، مقارنةً بوجوه البشرة البيضاء.

وبعد دخول المهاجرين للأراضي الأميركية، تستمر إدارة الهجرة باستخدام التقنيات الذكية لمراقبتهم. وهذا يشمل نظام الاستقصاء والتحري الذي تستخدمه إدارة الهجرة والجمارك، وهو برنامج يتيح وصول الأخيرة إلى المعلومات الشخصية والبيومترية للمهاجرين؛ وكذلك استخدام تطبيقات الهاتف المحمول، أو أجهزة مراقبة الكاحل الإلكترونية كبدائل للاحتجاز. كما تعمل وزارة الأمن الداخلي (DHS) على تطوير برنامج تكنولوجيا التعرف المتقدم على الوطن (HART) بغية تجميع ومقارنة بيانات القياسات الحيوية، كالتعرّف على الوجه، والحمض النووي، ومسح قزحية العين، وبصمات الأصابع، وغيرها، وكل ذلك، لمراقبة المهاجرين، واعتقالهم ومداهمتهم “عند الضرورة”. وهذا غيضٌ من فيض من التنميط العنصري، والتمييز ضد المهاجرين وخصوصاً من ذوي البشرة الداكنة في نظام الهجرة الأميركي.

٣. أين حقوق الإنسان من تقنيات الذكاء الاصطناعي على الحدود؟

لا يمكن إنكار أنّ استخدام التقنيات الذكية على الحدود، يؤدي إلى تفاقم التمييز العنصري فيما يتعلّق بتطبيق قوانين الهجرة في الولايات المتحدة، وكذلك خارجها كما أشرنا سابقاً، لا سيما ضد المهاجرين السود. وغالبًا ما يتم تأطير هذه الأدوات، كما هو الحال مع التقنيات بشكلٍ عام، على أنها “محايدة” و”موضوعة”، و”عادلة”. إلا أنّ ذلك، لا ينفي أنها تكرّس لعدم المساواة العرقية داخل المجتمعات. وصحيحٌ أنها قد تجعل الحدود “أكثر أماناً”، إلا أنها تترافق مع تجاوزات تُرتكَب ضد المهاجرين.

وهنا، نفترض أن المسؤولية تقع على صانعي السياسات الذين يتوجب عليهم التحرك لوقف التأثيرات العنصرية للذكاء الاصطناعي على الحدود. ومن الممكن العمل على إصلاحاتٍ عاجلة تشمل نشر البيانات عن التقنيات الذكية المستخدمة على الحدود، والاعتراف بآثارها المتباينة على فئات المهاجرين المختلفة عرقياً. ولا بد أيضاً من وضع تدابير شفافة للرقابة والمساءلة، وإنشاء إطار حوكمة عالمي بشأن استخدام تقنيات المراقبة الرقمية بما يضمن حقوق المهاجرين على الحدود.

نـشـــرة فـهـــم البـريديـــة

لتبقى على اطلاع دائم على كل ما هو جديد مما تقدمه منصة فهم، انضم لنشرتنا البريدية.
باحث في مجال الذكاء الاصطناعي. كاتب تقني. يرتكز عمله المهني على توفير المهارات الإستراتيجية لدعم وفهم تقنية الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية. أنجز العديد من الدراسات والمقالات العلمية في الذكاء الاصطناعي، وتركّز أبحاثه على التأثير الحقيقي لهذه التقنية في مختلف المجالات.