في الثامن من أبريل الماضي، عقدت العديد من اللجان في مجلس النواب الأمريكي جلسات استماع بشأن الذكاء الاصطناعي، حيث جرى البحث بخصوص قدرات الصين المتنامية، والآثار المحتملة على المصالح الأمنية والاقتصادية للولايات المتحدة، إلى جانب إطلاق نموذج “آر 1” من قِبل شركة “ديب سيك”، الذي ينافس ويتفوق في جوانب معينة على أداء نموذج “أو 1” الذي أنشأته شركة “أوبن إيه آي”. وقد حاولَت تلك الجلسات تحديد الاستراتيجية الأكثر أهمية بالنسبة إلى واشنطن: بناء تقنيات ذكاء اصطناعي أكثر تقدماً — ولو كانت على حساب التبني العالمي الواسع — أم اتّباع نهج الصين من خلال التركيز على اعتماد نماذج تقنية أقل كفاءة، ونشرها على نطاقٍ واسع حول العالم.
وقد يكون من المفيد أن تستفيد الولايات المتحدة من اتخاذ الاستراتيجية الثانية، حيث تكتسب النماذج المتواضعة زخماً كبيراً عالمياً، مما قد يجعلها تدخل مجال المنافسة بشكلٍ أسرع، على غرار إصدارات الشركات الصينية (ديب سيك، وعلي بابا) التي حققت معدلات عالية من التبني الدولي.
ونتيجةً لهذه الديناميكية، غالباً ما يتم تأطير المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي بين هاتين الدولتين، على ضوء القدرات التي تتمتعان بها. إلا أن هذا الرأي يُعدّ مضللاً ويتجاهل أبعاداً حاسمة لريادة هذه التقنية.
وبالعودة إلى النقطة الأساس، فلكي تحافظ الولايات المتحدة على ميزتها التنافسية الحالية ونفوذها العالمي في الذكاء الاصطناعي، يتعين عليها العمل بنشاط على تصدير منتجاتها والترويج لها عالميًا. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن تولي اهتمامًا كافيًا لثلاث سمات رئيسية، هي: الجودة، والوصول، والقدرة على التكيف.
۱. الولايات المتحدة والصين: استراتيجيات متباينة
وحتى الآن، ركزت استراتيجية الولايات المتحدة للقيادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى حدٍّ كبير على مفهوم السيطرة، وخاصة على موارد الحوسبة من خلال ضوابط التصدير. وعندما يقترن هذا بميلٍ قوي نحو الاحتكار من جانب الشركات الأميركية، فإنه يؤدي إلى نشوء “نظام مغلق” نسبياً. ولا تزال النماذج التي طورتها واشنطن هي الأكثر تقدمًا على مستوى العالم، وهذا ما يجعلها تستفيد من المزايا الكبيرة في مجال الحوسبة لتصنيف الدول القادرة على تطوير الذكاء الاصطناعي بشكل فاعل. وعلى المدى القصير، يضمن هذا النهج حفاظ الولايات المتحدة على ريادتها في هذه التقنية على حساب التبني الواسع النطاق. إلا أنه على المدى الطويل، قد تدفع هذه الاستراتيجية دولاً أخرى إلى البحث عن موارد بديلة لتلبية احتياجاتها التكنولوجية، وتحديداً إلى الصين. وهذا السيناريو يحدث بالفعل.
۲. الانتشار: أهمية الجودة والوصول والقدرة على التكيف
في الوقت الراهن، لا يزال من غير المؤكد أيّ من الاستراتيجيتين التي ذكرناهما أعلاه ستكون حاسمة في تحقيق هيمنة الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين. ومع ذلك، لنفترض أن الولايات المتحدة ترغب في منافسة الصين بجدية لضمان اعتماد الأنظمة الذكية عالميًا، ففي هذه الحالة، نعتقد أن عليها التركيز على ثلاث سمات أساسية بمعزل عن استراتيجيتها المتبّعة، وهي: الجودة (الموثوقية التقنية)، والوصول (إتاحة وصول المستخدمين)، والقدرة على التكيّف (الاستجابة لاحتياجات الشركات والمجتمعات في جميع أنحاء العالم).
وعندما نتحدث عن الجودة، فهي تُمثل القدرات الفعلية لنموذج الذكاء الاصطناعي وموثوقيته. إنّ التميز في أداء النموذج يعني أن يكون في طليعة التطوير بطرق تهمّ المستخدمين والمؤسسات. وهذا يتطلّب آليات مرتبطة بعمليات الحوكمة، ومنهجيات تقييم، وأنظمة تحقّق تعكس حقيقة الأداء، إلى جانب استراتيجيات تخفيف المخاطر. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن يعمل الذكاء الاصطناعي بشكلٍ ملائمٍ في بيئات وظروف مختلفة، وبالتالي، فهذا سيزيد من احتمالية اعتماده من قبل الأطراف.
وفيما يتعلق بالوصول، فهو مرتبط بمدى الانتشار وسهولة الوصول إليه. وفي هذا السياق، فالعنصر الأساسي لضمان مستويات أعلى من الإتاحة هو وجود البنية التحتية الرقمية الأساسية الضرورية. وبدونها، قد يظلّ نشر حتى أبسط أنظمة الذكاء الاصطناعي بعيد المنال بالنسبة لشرائح كبيرة من سكان العالم، الذين يفتقرون إلى إمكانية الوصول لموارد الحوسبة، مما قد يؤدي إلى تكريس عدم المساواة. وبالمثل، ستخفق أنظمة الذكاء الاصطناعي غير القادرة على العمل بفعالية عبر بيئات متنوعة وسياقات محدودة الموارد. ولذلك، فإنّ أفضل الأنظمة هي التي يمكنها إثبات توافقها مع النظم البيئية الرقمية الحالية والبنى التحتية القائمة. وهذا ما تركز عليه الصين، التي تتمتع بمزايا عديدة في تصدير نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
أمّا القدرة على التكيّف، فهي تشير إلى قدرة الأنظمة الذكية على العمل بفعالية في سياقات لغوية وثقافية وتشغيلية متنوعة. وتمثّل البرمجيات مفتوحة المصدر إحدى أوضح الطرق لتحقيق ذلك، من خلال تمكين المجتمعات من تخصيص البرمجيات وتكييفها بناءً على احتياجاتها الفريدة. وتعمل العديد من الشركات الصينية التي ذكرناها على منافسة النماذج الأمريكية، ليس فقط من خلال إتاحة حلولها بشكلٍ مفتوح المصدر، بل أيضًا من خلال ضمان أن بيانات التدريب تتضمن دعمًا للعديد من اللغات والثقافات والأقليات، والتي عادةً ما تكون ليست أولوية لدى الشركات الأمريكية الرائدة.