في يوليو الماضي، طرحت كل من الولايات المتحدة والصين رؤيتهما الوطنية لتطوير وحوكمة الذكاء الاصطناعي. تميل خطة واشنطن إلى خطاب الهيمنة وعقد الصفقات لتعزيز المصالح الوطنية الأمريكية، فيما تطرح بكين على العالم رؤية لحوكمة الذكاء الاصطناعي تعارض هيمنة الولايات المتحدة، وتدعم التعددية، بل وتتبنى بناء القدرات العالمية في خطة عملها.
ومع ذلك، تتقارب استراتيجيات البلدين بشكلٍ لافت. فكلاهما يتبع نفس النهج: تسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي محلياً، وتمكين صادراته المدعومة من الحكومة إلى جانب التركيز على البرمجيات مفتوحة المصدر.
هذا التقارب جديد. وقد شهدت سياسة الذكاء الاصطناعي الأميركية منذ أن تولى الرئيس دونالد ترمب منصبه تحولات مهمة، حيث دعمت بشكل جلي برمجيات المفتوحة المصدر والتركيز على تصدير هذه التقنية. كما لوحظ تغيراً في السياسة الصينية أيضاً، وإن كان ذلك على مدى أفق زمني أطول: فقد ابتعدت سياسة الذكاء الاصطناعي على مدى العامين الماضيين عن الإجراءات الأيديولوجية الصارمة، وباتت بكين لديها قدرات كافية لنشر التكنولوجيا بفاعلية في اقتصادها المحلي وكذلك العالمي، وها هي تسلط الضوء تدريجياً على النقاشات ذات الصلة بمخاطر الذكاء الاصطناعي.
ومن شأن هذا التوافق الاستراتيجي أن يشكّل أساس المنافسة العالمية في هذا المجال، ويحولها من مواجهة أيديولوجية إلى سباقٍ لتحقيق مكاسب الإنتاجية المحلية والنفوذ التكنولوجي العالمي. وفي هذا السياق، ستكون القدرة على تنفيذ خطط عمل الذكاء الاصطناعي هي التي ستحدد القوة التي ستشكل مستقبل هذه التقنية.
۱. خطة عمل الذكاء الاصطناعي
لقد انبثقت خطتا عمل الذكاء الاصطناعي لكل من البلدين من سياقات مؤسسية مختلفة. فالولايات المتحدة تتبنى خطة لها ارتباط مباشر أكثر بالسلطة التنفيذية وتمثل استمرارًا لنهج واشنطن “أمريكا أولاً” في القيادة التكنولوجية. أما الصين فعلى الرغم من إصدار خطتها من خلال مؤتمر شنغهاي العالمي للذكاء الاصطناعي وليس عبر الحكومة مباشرة، إلا أنها تعكس استراتيجية تتمثّل في ترسيخ مكانتها كداعمٍ للتعددية والتعاون التكنولوجي العالمي، وهو إطارٌ تبلوَر في معارضةٍ مباشرة لضوابط التصدير الأمريكية وروايات الهيمنة الأحادية.
وبالنظر إلى سياسة واشنطن يبدو أن خطة العمل الأمريكية ستلعب دورًا أكثر مباشرةً وتوجيهًا في سياسة الذكاء الاصطناعي مقارنةً بنظيرتها الصينية التي تحاول أن تعمل ضمن مسارٍ لتخطيط مركزي جديد في تطوير وحوكمة هذه التقنية. ومع ذلك، فإن القراءة الدقيقة لكلا الخطتين تكشف عن التقارب المتزايد بين الولايات المتحدة والصين في جانبين أساسيين: تسريع اعتماده محلياً، وتعزيز الانتشار العالمي ووضع المعايير. وهذا ما سنحاول تسليط الضوء عليه في السياق:
۲.تسريع الذكاء الاصطناعي محلياً
أولاً، تدرك الحكومتان أن طموحاتهما العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي لا يقتصر فقط على إنشاء الشركات الرائدة، بل يشمل أيضاً عمليات النشر في العديد من الصناعات الأخرى. ونتيجة لذلك، تسلط كلتا الاستراتيجيتين الضوء على الجهود المبذولة لتسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي. وقد يبدو الانتشار الاقتصادي هدفاً بديهياً، لكنه في الواقع يمثل نقطة محورية لكل من واشنطن وبكين، وإن كان ذلك لأسبابٍ مختلفة. لقد ارتكز جزء كبير من سياسة إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن على الاعتقاد بأن توسيع قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة أمر بالغ الأهمية من الناحية الاستراتيجية. فمثلاً، كان قسم كبير من سياسة مراقبة الصادرات التي تنتهجها إدارته فيما يتصل برقائق الذكاء الاصطناعي يعتمد على افتراض مفاده أن قدراتها من الممكن أن تصل قريباً إلى نقطة من التحسين الذاتي السريع. ولم يتم التركيز بذات القدر، على الجهود الملموسة لدفع اعتماد الذكاء الاصطناعي في صناعات محددة ، رغم أنها تمثل أولوية في القطاع العام.
وعلى النقيض من ذلك، بدأت الصين مؤخرا في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي كأداة للنمو الاقتصادي بعد عدة سنوات من فرض حملاتٍ صارمة وتدابير تنظيمية حدّت من الابتكار. وخلال عمليات الإغلاق بسبب جائحة “كوفيد 19” انصبّت السياسة الصينية إلى حد كبير على ضمان تعزيز التكنولوجيا تبعاً للمصالح الإيديولوجية للحزب الشيوعي الحاكم للبلاد. إلا أنه مع الوقت خففت بكين بعض التدابير لتحريك الاقتصاد وإنعاشه. ونتيجة لذلك، تحولت سياستها في الذكاء الاصطناعي نحو استراتيجية التبني أولا التي تعطي الأولوية للاستخدام المحلي الواسع النطاق في ما يسمى “الاقتصاد الحقيقي”. كما أن النضج المتزايد لمنظومة الذكاء الاصطناعي في الصين والذي لا يتجلى فقط في صعود “ديب سيك” بل في النماذج الرائدة من شركات أخرى مثل “علي بابا” يمنح بكين الأدوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. ووفقًا لخطة عمل حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية الصينية، فإن هذا يعني توظيف هذه التقنية في العديد من المجالات، مثل التصنيع الصناعي والرعاية الصحية والزراعة وغيرها. وتتوقع الحكومة المركزية من الحكومات المحلية والشركات أن تدفع عجلة الابتكار في إطار مبادرة ‘الذكاء الاصطناعي بلس” التي أنشأتها بكين. وبالتالي تحفيز نموها الاقتصادي الذي تشتد الحاجة إليه.
في المقابل، لا يواجه وادي السيليكون في الولايات المتحدة ذات القيود المفروضة على رأس المال الاستثماري كما الصين. ومع ذلك، فإن استراتيجية إدارة ترمب تركّز على تسريع اعتماد الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في جميع القطاعات الرئيسية مثل الرعاية الصحية والطاقة والخدمات المالية، وما إلى ذلك. وصحيح أن إدارة بايدن سعت إلى تسهيل تأمين التصاريح للبنية التحتية لهذه التقنية مثل مراكز البيانات ومصادر الطاقة. لكن ذلك تم تقديمه في الأيام الأخيرة لإدارته، في حين اتخذ ترمب موقفا أكثر حزماً منذ بداية تسلمه لسدة الرئاسة.
وبالتالي، تختلف تكتيكات كل من واشنطن وبكين، ولكن من الواضح أن الجانبين توصلا إلى نفس الفكرة الأساسية: لقد وصل الذكاء الاصطناعي الآن إلى نقطة حيث يمكنه تقديم مساهمات حقيقية للاقتصاد المحلي الإجمالي، ويتعين على الحكومة أن تساعد في تحقيق هذه الغاية.
٣. السباق نحو الانتشار العالمي ووضع المعايير
ثانيًا، يُعدّ نشر الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من الاستراتيجيات الاقتصادية لكلا البلدين. ويؤكد مضمون الخطتين أن واشنطن وبكين تعتبران نفسيهما في سباق للاستحواذ على حصة في السوق العالمية والهيمنة على وضع المعايير.
إنّ خطة عمل الذكاء الاصطناعي في الصين مليئة بالإشارات إلى الانفتاح واعتماد البرمجيات الذكية مفتوحة المصدر. ويتجلى ذلك من خلال تعزيز التدفق المفتوح لموارد التكنولوجيا غير الحساسة. وبالنسبة لبكين فإن بناء وتوسيع منظومة البرمجيات مفتوحة المصدر يعكس الامتداد الطبيعي لهدفها في إتاحة نماذج رخيصة على غرار “ديب سيك” التي ترى أنه قادرٌ على المنافسة دولياً. وكجزءٍ من خطة عملها الخاصة، أعلنت الصين مؤخرًا عن إنشاء منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي (WAICO) لتجسيد طموحاتها في أن تكون مركزًا رئيسيًا لمؤسسات تطوير هذه التقنية.
وأيضاً واشنطن لديها طموحات متزايدة لتحقيق الأولوية العالمية في هذا المجال، لا سيما على مستوى ما يسمى بحزم التصدير، وهي ربط تقنيات الذكاء الاصطناعي المتعددة بتسهيل حكومي في عرض تجاري واحد. وفي هذا الإطار، يستعد البيت الأبيض لدعم نشر هذه الحزم من خلال مؤسسات تابعة له مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. ويعكس هذا الترويج النشط لصادرات الذكاء الاصطناعي تحولاً كبيراً عن الإدارة السابقة، التي تركت الشركات بمفردها إلى حد كبير للترويج لمنتجاتها الخاصة.
وأحد الفروق الملحوظة بين استراتيجيات الانتشار العالمية التي تنتهجها الصين والولايات المتحدة، هو أن الأخيرة تعتزم جعل صادراتها من مجموعات الذكاء الاصطناعي انتقائية، وخاصة تلك التي تحتوي على عناصر متطورة. حيث تخطط واشنطن لإعطاء الأولوية للدول الراغبة في الانضمام إلى ما تسميه “تحالف الذكاء الاصطناعي الأمريكي”. ومن المرجح أن تركز على حلفاء الناتو وغيرهم من الشركاء المقربين، ولكنها قد تستخدم أيضًا صادرات هذه التقنية كأداة لاستقطاب دول اتسمت بالتوازن بين الولايات المتحدة والصين، مثل دول الخليج.
وبناءً على ما تَقدم، تُحدّد خطط العمل الأمريكية والصينية مسارات مختلفة في السعي لتحقيق أهداف مُتشابهة: تحقيق مكاسب اقتصادية من الذكاء الاصطناعي، والسعي إلى حصة سوقية عالمية لأغراض جيو- استراتيجية. ولكن في نهاية المطاف، تكمن المُحدّدات الحقيقية في كيفية تحويل كل حكومة رؤيتها إلى ممارسة عملية من خلال الميزانيات، والتوظيف، وصناديق البحث والتطوير، وإصلاحات البنية التحتية التي تُشكّل وتيرة ونطاق التبني. وعليه، فالفكرة لا تكمن في الدولة التي تمتلك الرؤية الإستراتيجية الأفضل فحسب، بل في آليات تنفيذها على أكمل وجه.